التوسِعَةُ عَلَى الأهلِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ ... دراسة نقدية.
أ.د. فهمي أحمد القزاز
أستاذ الحديث وعلومه - كلية الإمام الأعظم الجامعة - المؤسس والمشرف العام على منصة إسناد
25 يونيو 2026 م / ٩ محرم ١٤٤٨ هـ 155 مشاهدة
الحمد لله والصلاةُ والسَّلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبَعْدُ: فحديث التوسعة على الأهل والعيال في يوم عاشوراء حديث مشهور ومعروف لدى طلبة الحديث وأهله، روي من طرق متعددة مرفوعاً من حديث عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة رضي الله عنهم، وكذا روي موقوفاً على عدة صحابة؛ كأمثال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بألفاظ متقاربة؛ وهو قوله : " مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ"، وفي رواية : " مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ".
والحديث أخرجه الطبراني والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم، وهو من المجربات عند الصحابة، فقال جابر بن عبد الله : (جَرَّبْتَه أَرْبَعِينَ عَامًا فَلَمْ يَتَخَلَّفْ)، وكذلك عند أكابر علماء الحديث وأئمته كيحيى بن سعيد، وسفيان بن عُيَيْنَةَ فقال : (قَدْ جَرَّبْنَاهُ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ فَمَا رَأَيْنَا إِلَّا خَيْرًا).
فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ : مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ عَاشُورَاءَ أَوْسَعَ اللهُ عَلَيْهِ سَنَتَهُ كُلَّهَا » ((ينظر ينظر المعجم الأوسط (۹) ۱۲۱) (۹۳۰۲) ، وقال : لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجَعْفَرِيُّ، وشعب الإيمان (٥ / ۳۳۳) (٣٥١٥) ، هَذِهِ الْأَسَانِيدُ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةٌ فَهِيَ إِذَا ضُمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ أَخَذَتْ قُوَّةً، وَاللهُ أَعْلَمُ " ، الاستذكار (۳/ ۳۳۱). وينظر بحثنا التوسعة على الأهل ففيه تفصيل واف.)).
ونقل ابن عبد البر وغيره عن جابر بن عبد الله الانصاري الله وكبار العلماء هذه التجربة فوجدوها حقا فقال : قَالَ جَابِرٌ جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: وَقَالَ شُعْبَةُ مِثْلَهُ. وقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : جربنا ذلك فوجدناه حقا. وقَالَ سُفْيَانُ جَرَّبْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ، وورد عنه بلفظ : قَدْ جَرَّبْنَا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ فَمَا رَأَيْنَا إِلَّا خَيْرًا ((ينظر الاستذكار (۳) ۳۳۱)، وشرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (٥ / ١٥٦١)، والمبدع في شرح المقنع : (٣) ٤٩).)). قلت: والمجربات في هذا الباب تضفي تقوية للحديث ضمنية كما يُعلم عند طلبة الحديث وأهله. وصحح هذا الحديث جملة من كبار أئمة الحديث، كابن ناصر محمد بن ناصر الحافظ، والعراقي، والسيوطي وغيرهم. وحَسَّنَهُ بعضُهم بكثرة طرقه مع القول بضعف أفرادها، كالبيهقي ومن حذا حذوه أمثال السخاوي وغيره. وَضَعَفة فريقٌ من علماء الحديث بالنظر إلى أفراد طرقه، بل حكم عليه بالوضع فريق آخر كابن تيمية وابن الجوزي والعقيلي والزركشي وغيرهم. وأفرد العلماء هذا الحديث بالتأليف والاجزاء الحديثية بتحقيق نسبة هذا الحديث إلى قائله، والحكم عليه، وجمع طرقه كالعراقي والسيوطي وابْن الْقَرَافِي وغيرهم من القدامي والمحدثين. وبالغ ابن تيمية في نفيه لهذا الموضوع فقال : أن التوسعة لم يستحبها أحد من الأئمة واليك نصه: (وَبَيَّنَا أَنَّ كُلَّ مَا يُفْعَلُ فِيهِ - سِوَى الصَّوْمِ - بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ ، لَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، مِثْلَ الْاكْتِحَالِ، وَالْخِضَابِ، وَطَبْنِ الْحُبُوبِ، وَأَكْلِ لَحْمِ الْأَضْحِيَةِ، وَالتَّوْسِيعِ فِي النَّفَقَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ منهاج السنة النبوية / ١٥) وهذا كما ستعلم خلاف المذهب جمهور الأئمة الأعلام وإليك أقوالهم المعتبرة:
وقال الحنابلة : (يَنْبَغِي فِيهِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ، سَأَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ أَحْمَدَ عَنْهُ قَالَ : " نَعَمْ " رَوَاهُ سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرِ الْأَحْمَرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ زَمَانِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: قَدْ جَرَّبْنَا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ فَمَا رَأَيْنَا إِلَّا خَيْرًا) المبدع في شرح المقنع : (٤٩/٣). وعليه فالتوسعة المرادة في النص وكما ذكر الفقهاء يقتصر فيها على التوسعة المباحة على الأهل والأطفال في المطعم والمشرب والملبس والمال وغيرها فانه هو المذكور في الحديث، والله أعلم بالصواب.
وفي الختام لا يخفى على القاري الكريم أن بعضاً من الناس أراد طمس معالم هذا الحديث، وعدم العمل به، بل وصم فاعله بالبدعة والضلالة، وهو لا يعلمون أن العمل بمضمون هذا الحديث أصبح بمثابة إحياء لسُنَّةٍ تكاد أن تطمس، زيادة على صحة ثبوت نسبة الحديث للنبي على من قال بذلك من العلماء وتحسينه بمجموع طرقه كما علمت، ثم العمل بالتوسعة يوافق عمل وفتوى جهابذة الأعلام من أهل المذاهب الأربعة وأئمة المحدثين وتلامذتهم في مجرباتهم لهذا الأمر؛ وهو يوم عاشوراء - يوم طاعة وشكر ؛ لأن الله تعالى نجا فيه سيدنا موسى من الغرق واهلك طاغية عصره فرعون؛ فَسَنَّ رسول الله لأمته صيامه كمظهر من مظاهر الشكر كما صح عنه صيامه يوم مولده شكرا، ومن مظاهر الشكر في هذا اليوم هو التوسعة على الأهل والأطفال ليظل هذا اليوم خالداً في ذاكرتهم ومخيلتهم فهو من الأيام الخالدة. وحري بالعقلاء أن يُعيدوا هذا المظهر إلى بيوتاتهم وهو ما نص عليه الْفُقَهَاءُ في كتبهم باستحباب التَّوْسِعَةِ فِيهِ عَلَى الْعِيَالِ وَالأَهْلِ والله أعلم بالصواب.
وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.