سلسلة القراءات القرآنية وتشكل الإدراك السلسلة العامة: الحلقة الثلاثون | سلسلة إدراك المناسك: الحلقة الخامسة عنوان المقال: التوجيه القرآني والإعجاز الإدراكي في آية الأضاحي: بين تجسيد المادة وتجريد المعنى بقلم: أ.د. مها عبد العزيز الحبار (أستاذة التفسير وعلوم القرآن في كلية الإمام الأعظم - أقسام نينوى

مها الحبار
أ.د. مها الحبار
أستاذ تفسير القرآن وعلومه في كلية الإمام الأعظم الجامعة
29 مايو 2026 م / ١٢ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ 148 مشاهدة
المشهد المادي لنسك الأضاحي

في صعيد مِنى الطاهر، وخلال أيام النحر المباركة، تتجسد شعائر الله في مشاهد مهيبة تستحوذ على الحواس البشرية كافة. حين يقف المرء في ذلك الفضاء الإيماني الرحب، يرى أمامه لوحة حسية ذات ثقل مادي بامتياز؛ جبالٌ من اللحوم المتراكمة، وأنهارٌ من الدماء المُراقة. إنه مشهد بصرّي وحركي كثيف، يملأ العين ويفرض نفسه على الذهن بكتلته ووزنه وتفاصيله الواقعية.

في ظل هذه "الكثافة المادية" الهائلة، قد يميل العقل البشري بطبيعته إلى التعلق بالظاهر المحسوس، فيقيس حجم القربى والعبادة بكمية ما ذُبح وأُريق، متأثراً بالمشهد الطاغي أمامه. ولكن، بلمحة بصر، وبحرفٍ قرآنيٍ واحدٍ فقط ينطق به اللسان، يتدخل الوحي الإلهي ليحدث تحولاً جذرياً في زاوية النظر وعمق الإدراك؛ فيتلاشى هذا الثقل المادي تماماً، ليصعد العمل خالصاً مجرداً من كل كتلةٍ وجاذبية أرضية، محلقاً في آفاق القبول النقي.

فكيف يرتقي الإعجاز الصوتي والبياني في القرآن الكريم بعقولنا للانتقال من طين الأرض المحسوس، إلى جوهر الإخلاص المجرد؟

النص القرآني وبؤرة الإعجاز الإدراكي

يقف بنا هذا المقال أمام آية عظيمة من سورة الحج (الآية 37)، صاغت قاعدة كبرى في مقاصد العبادات الإسلامية، يقول فيها الحق سبحانه وتعالى:

﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾

في عمق هذا البناء اللغوي المحكم، تتجلى روعة الإعجاز في القراءات القرآنية المتواترة، وكيف تساهم أدق الفروق الصوتية في صياغة الوعي البشري وتوجيه البصيرة. لقد اختلف أداء الأئمة القراء في صيغة الفعلين الواردين في الآية: (يَنَالَ) و (يَنَالُهُ)، حيث انقسم الأداء الصوتي إلى مسارين دلاليين متكاملين:

قراءة الجمهور (بالتذكير): بقراءة الفعلين بياء التذكير: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا... وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ﴾.
قراءة الإمام يعقوب الحضرمي (بالتأنيث): حيث تفرد بقراءة الفعلين بتاء التأنيث: ﴿لَن تَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا... وَلَٰكِن تَنَالُهُ التَّقْوَىٰ﴾.

التوجيه اللغوي والدلالي: بين الأصل والفرع

من الناحية النحوية واللغوية—وكما قرر أئمة اللسان وصاحب معجم الكليات—فإن "التذكير أصلٌ والتأنيث فرع". وفي الدلالة الإيمانية والمعرفية، نحن هنا أمام إعجاز إدراكي وتوجيه بياني دقيق يعتمد على قاعدة "الحَمْل على المعنى المُبْطَن". هذا التناوب بين تاء التأنيث وياء التذكير يعمل كعدسات توجيهية للعقل البشري، يرى من خلالها النسك الواحد من زاويتين مختلفتين، ليكتمل وعيه بالعبادة.

أولاً: عدسة التجسيد والمادية (قراءة التأنيث ليعقوب)

حين ينطق القارئ بقراءة الإمام يعقوب بالتاء (تَنَالَ)، فإن تاء التأنيث المضافة هنا تعمل كـعدسة مُكبّرة تُوجّه العقل مباشرة نحو التفاصيل والأجزاء المنظورة.

النحو يفسر هذا التأنيث بحمل اللفظ على "الجماعة" (أي جماعة اللحوم وجماعة الدماء).
هذه العدسة تلفت ذهن المتلقي إلى استحضار التعدد والكثرة: اللحوم الموزعة، والدماء المتفرقة في أرجاء المشعر.
كما أنها تستبطن معاني مؤنثة خفية مرتبطة بالفعل مثل "الذبيحة" و"الصدقة".

إن التأنيث هنا يُجسّد أمامك حجم التضحية المادية والمشهد المحسوس بكل أبعاده وتفاصيله؛ ليعظم في قلب المؤمن ما تبذله يداه، ويستشعر قيمة النفقة والبذل في سبيل الله.

ثانياً: عدسة التجريد والمعنى (قراءة الجمهور بالتذكير)

أما حين يعود القارئ إلى قراءة الجمهور بالياء (يَنَالَ)، فإن ياء التذكير تحدث تحولاً إدراكياً مغايراً تماماً، يعود بالذهن إلى الأصل المجرَّد.

التذكير هنا يغض الطرف عن التفاصيل المادية المنظورة، ويسمو على تعدد الأشياء وتجزئتها.
يتم حمل اللفظ لغوياً على معنى مذكر مبطن، وهو "القربان" أو "العمل" أو "البذل".
تؤول "التقوى" في هذا السياق المذكر بـ "الإخلاص" أو "التقرب الخالص".

إن الياء هنا تُجرّد العمل من كثافته المادية تماماً، وتنزع عنه ثقل اللحم والدم، ليصعد كفكرة خالصة وجوهر نقي لا وزن مادي له، بل وزنه في قيمته الروحية عند رب العالمين.

الخلاصة المعرفية: جمال التنوع القرآني وصياغة وعي الحاج

إن الإسلام في تشريعاته لا يلغي المادة ولا يزدري البدن وما يُنفق فيه، بل يثيب عليه ويعلي من شأنه كشعيرة؛ وهذا ما أثبتته ودعمته قراءة يعقوب التي أبقت على كثافة المشهد ومادية البذل (تجسيد المادة). وفي الوقت ذاته، لا يقبل الإسلام أن تقف الغاية عند حدود هذه المادة أو يُفتتن العقل بظاهرها؛ بل يجب أن تنفذ الروح من خلالها إلى المعنى الأخلاقي والعبادي الأسمى، وهو ما حلقت بنا إليه قراءة الجمهور (تجريد المعنى).

وهكذا تتضافر القراءتان لتصنعا وعياً تكاملياً في عقل الحاج والمسلم:

عدسة التاء (التأنيث): تُجسّد الأشياء لتعظم في قلبك ما تبذله يداك، وتشعر بعظمة الشعيرة ظاهرياً.
عدسة الياء (التذكير): تُجرّد العمل لتطير بروحك نحو القبول الصافي الذي لا تشوبه مادة، لتدرك أن المفاخرة والقبول لا يكونان بالأشكال والظواهر، بل بالإيمان العالق في القلب والذي يصدقه العمل.

تقبل الله مناسككم وضحاياكم، ورزقنا وإياكم عمق الفهم وكؤوس التدبر في كتابه الكريم.
تفسير - قراءات- اللسانيات-القرآن #منصة_إسناد #أ_د_مها_الحبار #كلية_الإمام_الأعظم #عشر_ذي_الحجة #مناسك_الحج #سقاية_الحاج #القراءات_القرآنية #التفسير_الإدراكي #علم_الدلالة_العرفاني #ديوان_الوقف_السني
ترجمة المقال

نُشر عبر isnady.org