سلسلة القراءات القرآنية وتشكل الإدراك الإصدار الخاص: إدراك المناسك (الحلقة 5 - السلسلة الإجمالية: 29) ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾: التشكيل الإدراكي في آية المفاخرة بين تقييم الأعمال وتعيين المفتخرين!

مها الحبار
أ.د. مها الحبار
أستاذ تفسير القرآن وعلومه في كلية الإمام الأعظم الجامعة
25 مايو 2026 م / ٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ 131 مشاهدة
في سورة التوبة، يقف بنا السياق القرآني أمام مقياس دقيق للتفاضل وميزانٍ يضبط بوصلة الأعمال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 19].

لقد تعددت الروايات الواردة في سبب نزول هذه الآية الكريمة وتنوعت صورها؛ فمنها ما جرى كحوار سيدنا علي رضي الله عنه، والعباس وشيبة، ومنها ما روي عن حوار العباس مع المسلمين في أسرى بدر، وغيرها من الروايات التي تذكر افتخار المشركين على المسلمين.

ونحن هنا لا نجزم بتفضيل رواية واحدة ونترك البقية؛ لأن الوارد في سبب النزول جاء من طرق وصور متعددة، والجامع المشترك بين كل هذه الصور هو حالة "المفاخرة". فالنقاش كان يدور دائماً حول: من يفتخر بسقاية الحاج؟ ومن يفتخر بعمارة المسجد الحرام؟ في مقابل من يفتخر بفضيلة الإيمان والجهاد.

وهنا تتجلى روعة النص القرآني؛ حيث تأتي القراءات المتواترة لتستوعب مشهد المفاخرة هذا من زاويتين إدراكيتين متكاملتين:

المشهد الأول: الإدراك المصدري (تقييم الأعمال المُفتَخَر بها)

القراءة: قرأ جمهور القراء: ﴿سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.

التشكل الإدراكي: قراءة الكلمتين بـ (المصدر) تدل إدراكياً على الحدث المجرد. هذه القراءة تتناسب تماماً مع "تقييم الأعمال" التي كانوا يفتخرون بها في ذاتها؛ لتبين للمتلقي أن شرف العمل الظاهري، مهما بلغ من الرفعة والمكانة، لا يستقل بالفضل، ولا يصح أن يوضع في كفة توازي كفة الاعتقاد والإيمان الراسخ.

المشهد الثاني: الإدراك الوصفي الجمعي (تعيين المُفتَخِرين)

القراءة: قرأ ابن وردان عن أبي جعفر بِخُلْفٍ عنه (أي له وجهان: الأول كعموم القراء، والثاني بالجمع): ﴿سُقَاةَ الْحَاجِّ وَعَمَرَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وقد نص الإمام ابن الجزري في الدرة المضية على هذا الخُلْف بقوله: (وَقُلْ عَمَرَةْ مَعْهَا سُقَاةُ الْخِلَافُ بِنْ).

التشكل الإدراكي: في الوجه الثاني لابن وردان، تأتي (سُقَاة وعَمَرَة) كصيغ جمع تصف الفاعلين. هذه القراءة تنقل التركيز الإدراكي من الحدث إلى الأشخاص، وهي تناسب تماماً "تعيين المفتخرين" بهذه الأعمال؛ لتخاطبهم مباشرة وتضع ذواتهم في مقارنة صريحة مع ذوات ﴿مَنْ آمَنَ... وَجَاهَدَ﴾، مؤكدة أن العاملين بهذا الفضل الظاهري لا يستوون مع من قدم روحه في سبيل الله.

الخلاصة الإدراكية (جمال التنوع القرائي)

وهذا من عظيم جمال القراءات القرآنية؛ فكل قراءة تفتح زاوية إدراكية جديدة تتكامل مع الأخرى ولا تهدمها. قراءة المصدر ﴿سِقَايَةَ.. وَعِمَارَةَ﴾ تُقيّم "العمل"، وقراءة الجمع ﴿سُقَاةَ.. وَعَمَرَةَ﴾ تُقوّم "العامل". ليدرك المتلقي في النهاية أن المفاخرة الحقيقية لا تكون بمجرد الأعمال الظاهرية مهما شرفت، بل بالإيمان الذي يعمر القلب ويُصدّقه العمل.
تفسير - قراءات- اللسانيات-القرآن #منصة_إسناد #أ_د_مها_الحبار #كلية_الإمام_الأعظم #عشر_ذي_الحجة #مناسك_الحج #سقاية_الحاج #القراءات_القرآنية #التفسير_الإدراكي #علم_الدلالة_العرفاني #ديوان_الوقف_السني
ترجمة المقال

نُشر عبر isnady.org