سلسلة القراءات القرآنية وتشكل الإدراك الإصدار الخاص: إدراك المناسك (الحلقة 4 - السلسلة الإجمالية: 28)
أ.د. مها الحبار
أستاذ تفسير القرآن وعلومه في كلية الإمام الأعظم الجامعة
25 مايو 2026 م / ٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ 102 مشاهدة
isnady.org
﴿فَلَا رَفَثَ﴾ أم ﴿فَلَا رَفَثٌ﴾؟(لافسوقَ)
أم (لا فسوقُ) التشكيل الإدراكي بين طهارة "الوجود" ومجاهدة "التكليف"!
الحج رحلة ارتقاء روحي وضبط سلوكي، وحين يصل
الحاج إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، فإنه
يقف أمام أعظم دورة مكثفة لتهذيب النفس. لكن، كيف شكّل التغاير الصوتي والنحوي في القراءات
القرآنية وعينا تجاه هذه المنهيات؟
تأخذنا القراءات القرآنية هنا في رحلة إدراكية
تتأرجح بين "البناء على الفتح" و"الرفع بالتنوين"، لترسم للمتلقي
لوحتين نفسيتين متكاملتين لمجاهدة النفس في الحج:
المشهد الأول: الإدراك الاستغراقي / الطهارة
التامة (قراءة البناء على الفتح)
القراءة: قرأ الجمهور ببناء الكلمتين على
الفتح دون تنوين: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ...﴾.
التوجيه الإدراكي والتفسيري: لغوياً، (لا)
هنا نافية للجنس، تفيد الاستغراق في النفي. وفي علم الدلالة العرفاني، التعبير بصيغة
"الإخبار" عن "النهي" يولد في الدماغ إدراكاً بـ "الوجود
العدمي" لهذه المخالفات. فالمتلقي يدرك أن الحج بيئة نقية طاهرة إلى حدٍ يُفترض
فيه أن الرفث والفسوق منعدمان تماماً لا وجود لجنسهما. هذا التشكيل الإدراكي (تشبيه
المأمور بمن امتثل فعلاً) يرتقي بوعي الحاج ليرى نفسه في مقامٍ أسمى من أن تخطر هذه
المعاصي على باله فضلاً عن فعلها.
المشهد الثاني: الإدراك التكليفي / مجاهدة
النفس (قراءة الرفع والتنوين)
التوجيه الإدراكي والتفسيري: لغوياً، (لا)
هنا عاملة عمل (ليس)، وتفيد النهي المباشر. إدراكياً، (التنوين والرفع) يرتبطان بالتخصيص
ووقوع الحدث. هذا الأداء الصوتي يترجم في وعي المتلقي إلى إدراك بـ "التكليف والمجاهدة".
فالنص يخاطب الطبيعة البشرية التي قد تضعف، ليدرك الحاج أن هناك نهياً صارماً ومباشراً
يتطلب منه يقظة، ومراقبة، ومجاهدة مستمرة لغرائزه حتى لا يقع في أي (رفثٍ) أو (فسوقٍ).
الالتفاتة الإدراكية: من الإعجاز الإدراكي
أن القراء أجمعوا على (الفتح) في الكلمة الثالثة ﴿وَلَا جِدَالَ﴾، حتى من قرأ الكلمتين
السابقتين بالرفع!
التشكيل العرفاني: يدرك العقل البشري هنا
فاصلاً دقيقاً؛ فمغالبة الشهوات (الرفث والفسوق) تحتاج إلى نهي ومجاهدة وتذكير مستمر
(فجاءت قراءة الرفع)، أما شعائر الحج ومواقيته وأماكنه التي شرعها الله (والتي كان
العرب يجادلون فيها ويبدلونها في الجاهلية)، فهي ثوابت ربانية لا تقبل النقاش، فجاءت
بصيغة النفي المطلق للجنس (الفتح: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾) لتقطع دابر أي نزاع أو تشكيك، فيدرك
الحاج التسليم المطلق لشرع الله.
الخلاصة الإدراكية (التشكل الجامع):
بتضافر هذه التوجيهات القرائية، يكتمل وعي
الحاج بسلوكه؛ فقراءة (الرفع) ﴿رَفَثٌ وَفُسُوقٌ﴾ تستنهض فيه هِمّة المجاهدة والامتناع،
ليرتقي بنفسه حتى يصل إلى مقام قراءة (الفتح) ﴿رَفَثَ وَفُسُوقَ﴾، وهو مقام الطهارة
التامة وانعدام أثر المعصية في بيئة الحج، مع التسليم القلبي الحاسم والمطلق لشعائر
الله ﴿وَلَا جِدَالَ﴾.