سلسلة القراءات القرآنية وتشكل الإدراك26 الإصدار الخاص: إدراك المناسك (الحلقة 2)

مها الحبار
أ.د. مها الحبار
أستاذ تفسير القرآن وعلومه في كلية الإمام الأعظم الجامعة
20 مايو 2026 م / ٣ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ 33 مشاهدة
﴿وَاتَّخِذُوا﴾ أم ﴿وَاتَّخَذُوا﴾؟ التشكيل الإدراكي بين عراقة الماضي وأمانة التكليف!

حين تقف في رحاب الكعبة المشرفة، وتتأمل أثر قدمي خليل الرحمن عند "مقام إبراهيم"، وتقرأ قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، هل انتبهت يوماً لحركة حرف (الخاء)؟

تأخذنا القراءات القرآنية هنا في رحلة إدراكية مذهلة، تتأرجح بين (الكسر) الدال على الأمر المستمر، و(الفتح) الدال على الفعل الماضي، لترسم لنا لوحة متكاملة لزمانية ومكانية هذا المقام العظيم.

المشهد الأول: الإدراك التشريعي والاستمرارية (قراءة الكسر - فعل الأمر)

قرأ جمهور القراء بكسر الخاء: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾.

في لغة العرب، الكسر هنا يجعل الكلمة (فعل أمر). إدراكياً، تأخذ هذه القراءة وعينا إلى "الاستجابة الفورية والمستمرة"؛ فهو توجيه رباني صريح ومباشر لكل حاج ومعتمر، في كل زمان ومكان، بأن يتخذ من هذا الموضع مكاناً للصلاة. الإدراك هنا هو إدراك "للتكليف، والعمل، وربط الحاضر والمستقبل بالعبادة".

المشهد الثاني: الإدراك التاريخي والانتماء (قراءة الفتح - الفعل الماضي)

قرأ الإمام : نافع، وابن عامر الشامي بفتح الخاء: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾.

لغوياً، الفتح هنا ينقل الكلمة لتصبح (فعلاً ماضياً) معطوفاً على ما قبله (جعلنا البيت مثابة). إدراكياً، تصنع هذه الفتحة في وعينا إحساساً بـ "العراقة والامتداد التاريخي"؛ فالمعنى يصبح خبراً عن الأجيال السابقة وعن إبراهيم وإسماعيل ومن تبعهم، بأنهم (اتخذوا) هذا المقام مصلى. الإدراك هنا هو إدراك "للانتماء، والاعتزاز بالإرث التوحيدي، وتوثيق تاريخية المكان".

الخلاصة الإدراكية:

حين تتضافر القراءتان، يكتمل وعي المسلم تجاه "مقام إبراهيم"؛ فقراءة الفتح ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ تخبرك عن عظمة الماضي وتاريخية المكان (هم اتخذوه مصلى من قبلك)، لتأتي قراءة الكسر ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ وتستنهضك لإكمال المسيرة (فلتتخذه أنت أيضاً مصلى). ليبقى المقام في إدراكنا جسراً يربط بين عظمة التاريخ الماضي، وأمانة التكليف الحاضر.
ترجمة المقال

نُشر عبر isnady.org