سلسلة القراءات القرآنية وتشكل الإدراك - الحلقة (24) ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾: التشكيل الإدراكي لمقام النبوة بين شرف السَّماع وكمال الذَّات
أ.د. مها الحبار
أستاذ تفسير القرآن وعلومه في كلية الإمام الأعظم الجامعة
20 مايو 2026 م / ٣ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ 23 مشاهدة
isnady.org
تخيل كيف
تتنزل العناية الإلهية لترد عن نبيها ﷺ، وتحول الكلمة التي أُريد بها الانتقاص إلى
أعظم وسامٍ للمدح والثناء! حين حاول المنافقون الطعن في سعة صدر النبي ﷺ
وتغافله عن زلاتهم، وقالوا عنه استهزاءً: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾؛ لم تأتِ الآيات بمجرد
النفي والدفاع، بل جاءت بالارتقاء والمدح الرباني المباشر، لتبدأ اللوحة الإدراكية
بإعلان الشرف النبوي: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ
لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ [التوبة: 61].
وهنا،
تتدخل القراءات القرآنية لتُشكل وعينا تجاه مقام النبوة في ثلاثة مشاهد متكاملة:
المشهد
الأول: الإدراك الصوتي لسعة الصدر (أُذُن / أُذْن) تبدأ اللوحة الإدراكية من حركة
"الذال" في كلمة (أُذُن):
قراءة
الإمام نافع بالسكون (أُذْن): السكون
يعطي الكلمة خفة وسرعة. إدراكياً، تُجسّد هذه القراءة الحالة النفسية
للمنافقين؛ فهم يطلقون الكلمة باستخفاف وتقزيم، وكأنها طعنة خاطفة بلا وزن،
تعكس سطحية تفكيرهم ومحاولتهم النيل من مقامه ﷺ.
قراءة
الجمهور بالضم (أُذُن): توالي
الضمتين يعطي الكلمة ثقلاً وامتداداً صوتياً. إدراكياً، هذا الثقل يترجم
"سعة صدر النبي ﷺ"؛ فهو ليس "أُذناً" سريعة كما زعموا،
بل هو استيعاب ممتلئ بالحلم، يعطي المتحدث كامل الانتباه والاحتواء، مما يحول
الجارحة من مجرد آلة سمع إلى محضن تربوي عظيم.
المشهد
الثاني: الإدراك الفعلي لسلوك النبوة (قراءة الخفض) تفرّد الإمام حمزة الكوفي بقراءة تخفيض (جر)
كلمة رحمة: ﴿وَرَحْمَةٍ﴾، عطفاً على (خَيْرٍ). المعنى الإدراكي هنا يركز على
"فعل الاستماع النبوي"؛ فهو ﷺ (أُذُنُ خَيْرٍ) و(أُذُنُ رَحْمَةٍ). إن
استماعه للمنافقين وقبوله لأعذارهم الظاهرة لم يكن غفلة، بل كان "رحمة
ستر"؛ يتغافل ليجبر خواطرهم ويُعرض عن بواطنهم لئلا يفضحهم، استبقاءً عليهم
ورجاءً لتوبتهم. هنا، الرحمة هي "الفعل" والحلم الذي يمارسه النبي ﷺ في
تعامله اليومي.
المشهد
الثالث: الإدراك الكلي لجوهر النبوة (قراءة الرفع) وهي قراءة الجمهور بالرفع: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، حيث
تكون بالرفع عطفا على (أذن) أو على تقدير (وَهُوَ رَحْمَةٌ). هنا ينتقل وعي المتلقي من
"فعل الاستماع" إلى "جوهر النبوة". لم تعد الرحمة مجرد وظيفة
يؤديها في سماعه، بل أصبحت هويته وكينونته؛ ليتطابق هذا التشكيل الإدراكي مع قوله
تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. الإدراك هنا يرتفع
من جزئية السمع إلى كليّة الوجود النبوي الشريف.
الخلاصة
الإدراكية: تضافرت القراءات القرآنية لترسم لوحة
الكمال المحمدي؛ فبينما أراد المنافقون الانتقاص، جاء القرآن ليجعل من (أُذنه)
محضن خير، ومن (ذاته) منبع رحمة. ليبقى الوحي حارساً لمقام النبوة، يحول مكرهم إلى
وسام، وطعنهم إلى محرابٍ من محاريب الإجلال.