ما موقف القرآن من ضجرك من والديك؟ وهل سجّل القرآن حقاً تلك الزفرة الخفية؟

مها الحبار
أ.د. مها الحبار
أستاذ تفسير القرآن وعلومه في كلية الإمام الأعظم الجامعة
6 أبريل 2026 م / ١٩ شوال ١٤٤٧ هـ 171 مشاهدة
الحلقة (22)

التشكيل الإدراكي في مقام الإحسان: الدلالة العرفانية لحركات كلمة ﴿أُفٍّ﴾

ما موقف القرآن من ضجرك من والديك؟ وهل سجّل القرآن حقاً تلك الزفرة الخفية؟

حين تضيق بك اللحظة، وتفلت منك مجرد تنهيدة خفيفة أو حركة شفاهٍ عابرة أمام والديك.. هل تمر في ميزان السماء دون أثر؟ في كلمة من حرفين فقط ﴿أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]، أسس القرآن الكريم لأدق بناء إدراكي وسلوكي يحمي مقام الوالدين. لم يترك البيان الإلهي شاردة ولا واردة من مشاعر الضيق إلا ورصدها باختلاف القراءات المتواترة.

وعند التأمل في توجيه أئمة التفسير واللغة والقراءات لهذا الاختلاف، نجد أننا أمام صياغة ربانية تفكك طبيعة النفس البشرية، وترصد أدق انفعالاتها من خلال مسارين إدراكيين:

أولاً: البعد النحوي والإدراكي (الشمول بالتنوين مقابل تخصيص اللحظة بتركه)

قراءة التنوين ﴿أُفٍّ﴾: وهي قراءة نافع، وحفص، وأبي جعفر. وقد نص أئمة اللغة والتوجيه —كأبي علي الفارسي والزجاج وغيرهما— على أن التنوين في أسماء الأفعال يفيد "التنكير"؛ بمعنى الشمول والعموم والكثرة. كأنه ينهى عن "أيِّ نوعٍ من الأُفِّ". إدراكياً، هذه القراءة تسد باب التضجر المتكرر، أو المتنوع، وتُشكل وعينا بأن كل أشكال الضيق —مهما تنوعت واختلفت أسبابها— محرمة.

قراءة ترك التنوين ﴿أُفَ / أُفِّ﴾: وهي قراءة ابن كثير (المكي)، وابن عامر (الشامي)، ويعقوب، والباقين. وترك التنوين عند علماء العربية يفيد "التعريف"؛ أي التخصيص. إدراكياً، يوجه الذهن إلى "اللحظة الآنية المحددة"، لينصبّ النهي الإلهي على تلك الزفرة الواحدة، المحددة، العابرة، التي قد تفلت في لحظة انفعال طارئة لا تتكرر، مؤكداً أن حتى هذه اللحظة اليتيمة لا تُغتفر في مقام الوالدين.

ثالثاً: البعد الصوتي والعرفاني لحركة البناء (خفة الفتح مقابل ثقل الكسر)

إن اختلاف حركة البناء في اسم الفعل هنا ليس ترفاً صوتياً، بل هو تجسيد لمقدار الضيق في صدر الإنسان:

قراءة الفتح ﴿أُفَ﴾: (للمكي والشامي ويعقوب). من المقررات في علم الأصوات واللغة أن "الفتحة أخف الحركات". وإدراكياً، تتطابق هذه الخفة الصوتية مع الخفة السلوكية؛ فهي تجسد تلك الزفرة السريعة جداً، أو نفخة الهواء الخفيفة التي قد تخرج من فم الابن بلا تكلف ولا ثقل. القرآن يسجل هذا الحدث "الخفيف" العابر ويحرمه تماماً.

قراءة الكسر ﴿أُفِّ / أُفٍّ﴾: والكسرة في ميزان الأصوات تمثل "الثقل" والانخفاض والانكسار. إدراكياً، تصور هذه القراءة ذلك التضجر العميق، الثقيل على النفس، الذي يخرج بجهد ومكابدة وانكسار داخلي، ويحمل طاقة سلبية ثقيلة تقع على قلب الوالدين فتكسره.

الخلاصة الإدراكية:

بين اتساع التنوين الذي يحيط بكل أنواع التضجر، وحتمية تركه التي تقبض على اللحظة الآنية.. وبين خفة الفتح التي ترصد مجرد زفرة هواء سريعة لا تكاد تُرى، وثقل الكسر الذي يفضح المكابدة الداخلية.. جمع القرآن الكريم ببراعة بين الضجر القليل الخفيف والكثير المتكرر.

إن اجتماع هذه القراءات يبني سياجاً إدراكياً محكماً، يطوق كل ثغرة قد يتسرب منها أدنى أذى، ليقف علم اللغة والقراءات شاهداً على أن القرآن الكريم لا ينطق عن الهوى، بل يرتقي بالنفس البشرية إلى أقصى درجات الإحسان.
تفسير #الجميع
ترجمة المقال

نُشر عبر isnady.org